القرطبي

290

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لا يكون إلا لله تعالى ، لان السجود عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله ، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح . وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا . الرابعة - قوله تعالى : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى ، فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة . وسيأتي بيان هذا في " الانعام ( 1 ) " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : " وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " الخامسة - قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) أي من قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " حكاه مكي والماوردي . وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم . ( وما كنتم تكتمون ) قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية . قال ابن عطية : وجاء " تكتمون " للجماعة ، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها ، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا . أي منكم فاعله ، وهذا مع قصد تعنيف ، ومنه قوله تعالى : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( 2 ) " [ الحجرات : 4 ] وإنما ناداه منهم عيينة ، وقيل الأقرع . وقالت طائفة : الابداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع . وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة ؟ قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا ، وكأنهم دخلهم من ذلك شئ ، قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم ، [ فقالوا ( 3 ) : و ] ما يهمكم من هذا المخلوق ! إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه . و " ما " في فوله : " ما تبدون " يجوز أن ينتصب ب‍ " - أعلم " على أنه فعل ، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به " ما " فيكون مثل حواج بيت الله ، وقد تقدم . ( 4 )

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 1 ( 2 ) راجع ج 16 ص 309 ( 3 ) زيادة عن تفسير الطبري . ( 4 ) راجع ص 278